أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
112
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وأحسن من هذا أن يقال : إن الخبر أفاد التبعيض المقصود ، لأن الناس كلهم لم يقولوا ذلك . وهم غير مؤمنين فصار التقدير : وبعض الناس يقول كيت وكيت . واعلم أن « من » وأخواتها لها لفظ ومعنى ، فلفظها مفرد مذكر فإن أريد بها غير ذلك فلك أن تراعي لفظها مرة ومعناها أخرى ، فتقول : « جاء من قام وقعدوا » والآية الكريمة كذلك روعي اللفظ أولا فقيل : مَنْ يَقُولُ والمعنى ثانيا في آمَنَّا . وقال ابن عطية : « حسن ذلك لأن الواحد قبل الجمع في الرتبة ، ولا يجوز أن يرجع متكلم من لفظ جمع إلى توحيد لو قلت : ومن الناس من يقومون ويتكلم لم يجز » وفي عبارة القاضي ابن عطية نظر ، وذلك لأنه منع من مراعاة « اللفظ بعد مراعاة » المعنى ، وذلك جائز إلا أن مراعاة اللفظ أولا أولى ، ومما يرد عليه قول الشاعر : 170 - لست ممّن يكعّ أو يستكينو * ن إذا كافحته خيل الأعادي « 1 » وقال تعالى : وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ « 2 » إلى أن قال : خالِدِينَ فراعى المعنى ثم قال : قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً فراعى اللفظ بعد مراعاة المعنى ، وكذا راعى المعنى في قوله : « أو يستكينون » ثم راعى اللفظ في « إذا كافحته » . وهذا الحمل جار فيها في جميع أحوالها ، أعني من كونها موصولة وشرطية واستفهامية ، أما إذا كانت موصوفة فقال الشيخ « 3 » : « ليس في محفوظي من كلام العرب مراعاة المعنى » يعني تقول : مررت بمن محسنون لك . والآخر صفة لليوم وهو مقابل الأول ، ومعنى اليوم الآخر أي عن الأوقات المحدودة . وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ما نافية ، ويحتمل أن تكون هي الحجازية ، فترفع الاسم وتنصب الخبر ، فيكون هُمْ اسمها وبمؤمنين خبرها ، والباء زائدة تأكيدا ، وأن تكون التميمية فلا تعمل شيئا فيكون هُمْ مبتدأ و بِمُؤْمِنِينَ الخبر والباء زائدة أيضا ، وزعم الفارسي وتبعه الزمخشري أن الباء لا تزاد في خبر « ما » إلا إذا كانت عاملة ، وهذا مردود بقول الفرزدق وهو تميمي : 171 - لعمرك ما معن بتارك حقّه * ولا منسئ معن ولا متيسّر « 4 » إلا أن المختار في « ما » أن تكون حجازية ، لأنه لما سقطت الباء صرح بالنصب ، قال اللّه تعالى : ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ « 5 » ، ما هذا بَشَراً « 6 » وأكثر لغة الحجاز زيادة الباء في خبرها حتى زعم بعضهم أنه لم يحفظ النصب في غير القرآن إلا في قول الشاعر : 172 - وأنا النّذير بحرّة مسودّة * تصل الجيوش إليكم أقوادها أبناؤها متكنّفون أباهم * حنقوا الصّدور وما هم أولادها « 7 » وأتى بالضمير في قوله : وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ جمعا اعتبارا بمعنى « من » كما تقدم في قوله : آمَنَّا فإن
--> ( 1 ) البيت من شواهد البحر ( 1 / 54 ) . ( 2 ) سورة التغابن ، آية ( 9 ) . ( 3 ) أبو حيان رحمه اللّه . ( 4 ) البيت في ديوانه ( 270 ) ، الكتاب ( 1 / 63 ) ، أمالي القالي ( 3 / 82 ) ، الخزانة ( 1 / 181 ) ، الهمع ( 1 / 128 ) ، الدرر ( 1 / 102 ) . ( 5 ) سورة المجادلة ، آية ( 2 ) . ( 6 ) سورة يوسف ، آية ( 31 ) . ( 7 ) البيتان لعدي بن الرقاع . انظر شرح ابن عقيل ( 1 / 302 ) ، البحر المحيط ( 1 / 55 ) ، روح المعاني ( 12 / 232 ) .